أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
285
العقد الفريد
قال قيس : أيا الملك ، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به ، أو كخافر « 1 » أخفر بذمته . قال كسرى : ما يكون لضعيف ضمان ، ولا لذليل خفارة . قال قيس : أيها الملك ، ما أنا فيما خفر من ذمتي ، أحقّ بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك ، وانتهك من حرمتك . قال كسرى : ذلك ، لأن من ائتمن الخانة ، واستنجد الأثمة ، ناله من الخطأ ما نالني ، وليس كلّ الناس سواء ؛ كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ، ويعهد فيوفى ، ويعد فينجز ؟ قال : وما أحقّه بذلك وما رأيته إلا لي . قال كسرى : القوم يزل فأفضلها أشدّها . ثم قام عامر بن الطّفيل العامريّ فقال : كثر فنون المنطق ، وليس القول أعمى من حندس « 2 » الظّلماء ، وإنما الفخر في الفعال ، والعزّ في النجدة ؛ والسّودد مطاوعة القدرة . وما أعلمك بقدرنا ، وأبصرك بفضلنا ؛ وبالحري « 3 » إن أدالت الأيام ، وثابت الأحلام ، أن تحدث لنا أمورا لها أعلام . قال كسرى : وما تلك الأعلام ؟ قال : مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر ، على أمر يذكر . قال كسرى : وما الأمر الذي يذكر ؟ قال : مالي علم بأكثر مما خبّرني به مخبر .
--> ( 1 ) الخافر : المجير . ( 2 ) الحندس : الظلمة . ( 3 ) الحريّ : الخليق الجدير .